الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي
45
تفسير كتاب الله العزيز
تَنْظُرُونَ ( 55 ) قال : ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 56 ) « 1 » [ البقرة : 56 ] . قال : فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ : ينزه اللّه تُبْتُ إِلَيْكَ : أي ممّا تقدّمت بين يديك من المسألة « 2 » . وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ( 143 ) : قال مجاهد : وأنا أوّل قومي إيمانا . وقال بعضهم : وأنا أوّل المؤمنين بأنّك لا ترى ، وهو أيضا أوّل قومه إيمانا بهذا ، وقد آمن الناس قبله « 3 » . قوله : قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ : أي اخترتك عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ : أي ما أعطيتك وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 144 ) : أي لأنعمي عليك . قوله : وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ : قال الحسن : تفصيلا من الحلال والحرام والأحكام والهدى والضلالة . وقال مجاهد : ما أمروا به وما نهوا عنه ، وهو واحد . قال : فَخُذْها بِقُوَّةٍ : أي بجدّ . قال بعض العلماء : إنّ اللّه يحبّ أن يؤخذ أمره بقوّة ، والقوّة : الجدّ . وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها : وأحسنها أن يأخذوا بما أمرهم اللّه به وأن ينتهوا عمّا نهاهم اللّه عنه .
--> ( 1 ) كأنّ في عبارة المؤلّف شيئا من التكرار والتعقيد ، ولكنّ المعنى واضح كلّ الوضوح ؛ فهو يريد أن يبيّن أنّ من الصعق ما يكون موتا ، ومنه ما يكون غشية كالإغماء . فصعق موسى عندما اندكّ الجبل صعق غشية ، وصعق قومه عندما طلبوا رؤية اللّه جهرة صعق موت ، لأنّ اللّه ذكر عنهم أنّه بعثهم من بعد موتهم حين أخذتهم الصاعقة . وفي هذا من بديع الأسلوب القرآنيّ ودقّة تعبيره ما يدلّ على إعجازه ، فتأمّله فإنّه نفيس . وتأمّل كيف نسب الفعل في موسى إليه نفسه فقال اللّه : ( فلمّا أفاق ) . أمّا قوم موسى فإنّ اللّه هو الذي بعثهم ونسب الفعل إلى ذاته العليّة فقال : ( ثمّ بعثناكم من بعد موتكم ) . وتلك هي بلاغة النصّ القرآنيّ . وصدق من قال : ما فسّر القرآن مثل القرآن . ( 2 ) كذا في المخطوطات الأربع ، وفي ز ، ورقة 110 : « أي من قولي : انظر إليك » . ( 3 ) جاء في مسند الربيع بن حبيب ، ج 3 ص 247 ، ( رقم 870 ) ما يلي في تفسير الآية ( سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ ) : أي من مسألتي أنّي انظر إليك ( وأنا أوّل المؤمنين ) المصدّقين بأنّك لا يراك أحد . وقال مجاهد مثل ذلك . وقال الحسن : لن تراني ولا ينبغي لبشر أن يراني . قال الربيع بن حبيب : لن حرف من حروف الإياس عند النحويّين وأهل اللغة ، أي لن يراه أحد في الدنيا ولا في الآخرة » .